Website Logo

هرمون التوتر (الكورتيزول): عندما يُفعَّل وضع الهروب في الجسد

هرمون التوتر (الكورتيزول): عندما يُفعَّل وضع الهروب في الجسد

· By THC
هرمون التوتر (الكورتيزول): عندما يُفعَّل وضع الهروب في الجسد

 -بقلم: د. شمّاء لوتاه

في لحظات التوتر، لا يكون الجسد عشوائيًا في ردود أفعاله، بل يعمل وفق نظام دفاعي دقيق صُمّم لحمايتنا. أحد أهم عناصر هذا النظام هو هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر.

الكورتيزول ليس عدوًا للصحة كما يُصوَّر أحيانًا، بل هو هرمون أساسي للبقاء. تكمن المشكلة حين يبقى هذا الهرمون مرتفعًا لفترات طويلة، فيتحول من وسيلة حماية إلى مصدر استنزاف جسدي ونفسي.

 

ما هو الكورتيزول؟ ولماذا يُفرَز؟

الكورتيزول يُفرَز من الغدة الكظرية استجابةً لأي تهديد يفسّره الدماغ على أنه خطر، سواء كان خطرًا حقيقيًا أو نفسيًا. عند الشعور بالضغط، القلق، الخوف، أو حتى التفكير المستمر، يقوم الدماغ بتفعيل ما يُعرف بـ وضع الهروب أو المواجهة (Fight or Flight Mode).

في هذه الحالة، يُعاد توجيه طاقة الجسم نحو النجاة:

  • يرتفع معدل ضربات القلب
  • يزداد مستوى السكر في الدم لتوفير طاقة سريعة
  • تتوتر العضلات
  • تتراجع وظائف غير أساسية للبقاء الفوري مثل الهضم، النوم العميق، والتوازن الهرموني

هذا التفاعل طبيعي ومفيد إذا كان مؤقتًا.

 

متى يتحول الكورتيزول إلى مشكلة؟

تكمن الإشكالية عندما يصبح التوتر حالة مزمنة، لا استجابة مؤقتة.
في عالم سريع الإيقاع، مليء بالضغوط والمسؤوليات، يبقى الكثيرون في حالة استنفار مستمرة دون فترات كافية للراحة أو الاستعادة.

هنا لا يعود الجسم قادرًا على التمييز بين:

  • خطر فعلي
  • ضغط العمل
  • توتر العلاقات
  • أفكار متكررة
  • مشاعر غير معالَجة

كلها تُترجَم داخليًا كتهديد محتمل.

 

كيف يعبّر الجسد عن التوتر المزمن؟

عندما يظل الكورتيزول مرتفعًا، لا يعبّر الجسد بالكلمات، بل بالأعراض:

جسديًا

  • إرهاق مزمن حتى مع النوم
  • صداع وتشنجات عضلية
  • اضطرابات هضمية
  • زيادة الوزن، خاصة في منطقة البطن
  • خفقان أو توتر داخلي مستمر

نفسيًا

  • قلق غير مبرر
  • تشتت وصعوبة تركيز
  • عصبية أو سرعة انفعال
  • صعوبة اتخاذ القرارات

عاطفيًا

  • شعور دائم بعدم الأمان
  • دفاعية في العلاقات
  • انسحاب أو برود عاطفي
  • فقدان الإحساس بالمتعة

هذه الأعراض ليست ضعفًا شخصيًا، بل إشارة إلى أن الجهاز العصبي يعمل تحت ضغط طويل الأمد.

 

الكورتيزول والعلاقات الإنسانية

عندما يكون الجسد في وضع الهروب:

  • تقل القدرة على الإصغاء
  • ترتفع ردود الفعل الدفاعية
  • يضعف التعاطف
  • يصبح التواصل أقرب للصراع منه للحوار

كثير من الخلافات لا تنشأ بسبب سوء النية، بل بسبب أجساد مرهقة لم تعد تشعر بالأمان.

 

كيف نساعد الجسد على الخروج من وضع الهروب؟

الجسد لا يهدأ بالأوامر العقلية، بل بـ إشارات أمان متكررة، منها:

  • تنظيم النوم والاستيقاظ
  • التنفس العميق والبطيء
  • الحركة الهادئة كالمشي أو التمدد
  • التعبير عن المشاعر بدل كبتها
  • تقليل المشتتات والضغوط غير الضرورية
  • بناء حدود صحية في العمل والعلاقات
  • التواجد مع أشخاص نشعر معهم بالطمأنينة

هذه الممارسات البسيطة تُعيد للجهاز العصبي إحساسه الأساسي: الأمان.

 

خلاصة

الكورتيزول ليس المشكلة، بل الرسالة التي يحملها.

حين يبقى مرتفعًا، فهو يخبرنا أن الجسد يعيش في حالة تأهّب مستمرة، وكأن الخطر لم ينتهِ بعد.

الشفاء لا يبدأ بإجبار النفس على الهدوء، بل بإعادة تعليم الجسد أن اللحظة آمنة، وأنه لم يعد بحاجة للهروب.

 

نبذة عن الكاتبة:

د. شمّة لوتاه مدرّبة تحوّلية متخصصة في دعم النساء والفتيات على تجاوز الشك الذاتي والقيود الداخلية، وخلق مساحة آمنة للشفاء والنمو. تعمل بأسلوب إنساني عميق يساعد على إعادة الاتصال بالصوت الداخلي وبناء الثقة والوضوح.

احجز جلسة تدريب معها


Whats app icon