
الطفولة… حيث يبدأ تشكيل الإنسان
-بقلم: د. شمّاء لوتاه
الطفولة… حيث يبدأ تشكيل الإنسان
في يوم الطفل الإماراتي، نتوقف لنتأمل حقيقة بسيطة لكنها عميقة:
الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية قصيرة، بل هي المرحلة التي يتشكل فيها الإنسان من الداخل.
فالطفل لا يكبر فقط في الطول والعمر، بل ينمو داخله عالم كامل من المشاعر والمعتقدات عن نفسه وعن الحياة.
ومن خلال سنوات عملي في الكوتشينج والاستماع إلى قصص الكثير من الناس، أصبح واضحًا لي أن كثيرًا من التحديات التي يواجهها الإنسان في الكبر لا تبدأ في تلك اللحظة، بل تعود جذورها غالبًا إلى سنوات الطفولة الأولى.
ولهذا قيل إن الطفولة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحياة وقيم المجتمع ومبادئ الأخلاق.
فالطفل في سنواته الأولى يبدأ في الإجابة عن أسئلة عميقة دون أن يدرك ذلك:
- هل أنا محبوب؟
- هل أنا مهم؟
- هل صوتي مسموع؟
- هل يُسمح لي أن أكون كما أنا؟
والطريقة التي يتلقى بها الإجابة عن هذه الأسئلة تصبح جزءًا من شخصيته عندما يكبر.
الطفولة تصنع الإنسان الذي سيكبر لاحقًا
الطفل لا يفسّر الأحداث كما يفعل الكبار.
فكل تجربة يعيشها تتحول داخله إلى رسالة عن نفسه وعن العالم.
فالطفل الذي يُسمع له ويتلقى الاحتواء، يكبر وهو يشعر أن صوته مهم.
والطفل الذي يعيش في بيئة آمنة مليئة بالحب، يكبر وهو يحمل شعورًا بالثقة والاستقرار.
أما الطفل الذي يفتقد الأمان أو الاحتواء، فقد يكبر وهو يبحث طوال حياته عن ذلك الشعور.
ولهذا فإن ما نزرعه في أطفالنا اليوم، نراه غدًا في مجتمعنا وأوطاننا.
ما الذي يحتاجه الطفل لينمو بشكل صحي؟
هناك أسس بسيطة لكنها عميقة التأثير في بناء شخصية الطفل.
أولاً: حب الذات
أن يشعر الطفل أنه محبوب كما هو، وليس فقط عندما يتصرف بطريقة معينة.
ثانيًا: بناء الثقة بالنفس
عندما يُسمح للطفل بأن يجرب ويخطئ ويتعلم، يكتشف قدراته ويكبر وهو واثق بنفسه.
ثالثًا: الاحتواء العاطفي
الأطفال يحتاجون من يستمع لهم ويحتوي مشاعرهم، حتى يتعلموا فهم أنفسهم والتعبير عنها.
رابعًا: وجود مساحة آمنة للكلام
أن يعرف الطفل أن هناك من يسمعه دون خوف أو حكم.
خامسًا: الشعور بالأمان والانتماء
أن يشعر الطفل أنه جزء مهم من أسرته ومجتمعه.
مسؤولية مشتركة
إن بناء إنسان متوازن يبدأ من الطفولة.
فالطفل الذي ينشأ في بيئة مليئة بالحب والأمان والثقة، يكبر ليصبح إنسانًا قادرًا على العطاء وبناء مجتمع صحي.
ولهذا فإن الاهتمام بأطفالنا اليوم ليس فقط اهتمامًا بحاضرهم،
بل هو استثمار في مستقبل أوطاننا وأجيالنا القادمة.
فكما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
“ما نزرعه ونغرسه في أطفالنا اليوم هو ما نجنيه ونحصده غدًا في أوطاننا.”
ولهذا تبقى الطفولة مسؤولية كبيرة على عاتق الجميع…
لنرعاها، ولنمنح أطفالنا بيئة آمنة مليئة بالحب والقيم، ليكبروا وهم يحملون الثقة والأمل والطموح.
نبذة عن الكاتبة:
د. شمّاء لوتاه مدرّبة تحوّلية متخصصة في دعم النساء والفتيات على تجاوز الشك الذاتي والقيود الداخلية، وخلق مساحة آمنة للشفاء والنمو. تعمل بأسلوب إنساني عميق يساعد على إعادة الاتصال بالصوت الداخلي وبناء الثقة والوضوح.